السيد علي عاشور

132

موسوعة أهل البيت ( ع )

إلى هذه التربة أين من يموت فيها حتّى تمتلئ قبورا ، وتضاحكنا ساعة إذ اتّخذ الكاتب في أيدينا وسرنا حتّى دخلنا المدينة فقصدت باب أبي الحسن علي بن محمد الرضا فقرأ كتاب المتوكّل ، فقال إنزلوا وليس من جهتي خلاف ، فلمّا صرت إليه من الغد وكنّا في تمّوز أشد ما يكون من الحرّ ، فإذا بين يديه خيّاط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين له ولغلمانه ثمّ قال للخيّاط : إجمع عليها جماعة من الخيّاطين واعمد إلى الفراغ منها يومك هذا وبكّر بها إليّ في هذا الوقت ثمّ نظر إليّ وقال : يا يحيى أقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم والرحيل غدا . فخرجت من عنده وأنا أتعجب من الحقائق وأقول في نفسي نحن في تمّوز والحجاز وإنّما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيام فما يصنع بهذه الثياب ؟ ثمّ قلت في نفسي : هذا رجل لم يسافر وهو يقدّر أنّ كلّ سفر يحتاج فيه إلى مثل هذه الثياب والعجب من الرافضة حيث يقولون بإمامته هذا مع فهمه هذا ، فعدت عليه في الغد ، فإذا الثياب قد أحضرت . فقال لغلمانه : ادخلوا وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس . ثمّ قال الرجل يا يحيى ، فقلت في نفسي هذا أعجب من الأوّل أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتّى أخذ معه اللبابيد والبرانس فخرجت وأنا استصغر فهمه ، فعبرنا حتّى وصلنا ذلك الموضع الذي وقعت المناظرة في القبور وارتفعت سحابة وإسودّت وأرعدت وأبرقت حتّى إذا صارت على رؤوسنا أرسلت علينا بردا مثل الصخور وقد شدّ على نفسه وعلى غلمانه الخفاتين ولبسوا اللبابيد والبرانس . فقال لغلمانه : ادفعوا إلى يحيى لبّادة وإلى الكاتب برنسا ويجمعنا والبرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانين رجلا وزالت ورجع الحرّ كما كان . فقال لي : يا يحيى أنزل من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات من أصحابك ، فهكذا يملأ اللّه البريّة قبورا . فرميت نفسي عن دابتي وعدت إليه فقبّلت ركابه ورجله وقلت : أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا عبده ورسوله وأنّكم خلفاء اللّه في أرضه وقد كنت كافرا وإنّي الآن قد أسلمت على يديك يا مولاي . قال يحيى : وتشيّعت ولزمت خدمته إلى أن مضى « 1 » . * * *

--> ( 1 ) مدينة المعاجز : 7 / 469 .